أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
211
العمدة في صناعة الشعر ونقده
فأما حبيب فيذهب إلى حزونة اللفظ ، وما يملأ الأسماع منه ، مع التصنيع المحكم طوعا وكرها ، يأتي للأشياء من بعد ، ويرميها « 1 » بكلفة ، ويأخذها بقوة . وأما البحتري فكان أملح صنعة ، وأحسن مذهبا في الكلام ، سلك « 2 » منه دماثة وسهولة ، مع إحكام التصنيع « 3 » ، وقرب المأخذ ، لا تظهر عليه كلفة ولا مشقّة . - وما أعلم شاعرا أكمل ولا أعجب تصنيعا من عبد اللّه بن المعتز ؛ فإن صنعته خفية لطيفة ، لا تكاد تظهر في بعض المواضع إلا للبصير بدقائق الشعر ، وهو عندي ألطف أصحابه شعرا ، وأكثرهم بديعا / وافتنانا ، وأغربهم « 4 » قوافى وأوزانا ، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب . - غير أنا لا نجد المبتدئ في طلب التصنيع ، ومزاولة الكلام أكثر انتفاعا منه بمطالعة شعر حبيب ، وشعر مسلم بن الوليد ؛ لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها ، ولأنهما طرقا إلى الصنعة ومعرفتها طريقا سابلة ، وكثّرا « 5 » منها في أشعارهما تكثيرا سهّلها عند الناس ، وجسّرهم عليها . - على أن مسلما أسهل شعرا من حبيب ، وأقلّ تكلّفا ، وهو أول من تكلّف البديع من / المولدين ، وأخذ نفسه بالصنعة ، وكثّر « 6 » منها ، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل صريع « 7 » إلا النبذ اليسيرة ، وهو زهير المولّدين ، كان يبطئ في صنعته ويجيدها . - وقالوا : أول من تكلف « 8 » البديع من المحدثين بشار بن برد ، وابن هرمة ، وهو ساقة العرب ، وآخر من يستشهد بشعره ، ثم اتبعهما مقتديا بهما كلثوم بن
--> ( 1 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين : « ويطلبها » . ( 2 ) في ف والمطبوعتين والمغربيتين : « يسلك » . ( 3 ) في ف : « التصنع » ، وفي المطبوعتين والمغربيتين : « الصنعة » . ( 4 ) في ف والمطبوعتين : « وأقربهم » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 5 ) في المطبوعتين : « وأكثرا » ، وما في ص وف يوافق المغربيتين . ( 6 ) في ف والمطبوعتين : « وأكثر » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 7 ) في ف وخ : « قبل مسلم صريع » ، وفي م : « قبل مسلم صريع [ الغوانى ] » [ كذا ] . ( 8 ) في ف والمطبوعتين ومغربية : « أول من فتق . . . » .